مشروع الغاز المسال في ألاسكا: اختبار جديد للعلاقات الأمريكية اليابانية
تدرس شركة “جيرا كو” اليابانية لإنتاج الكهرباء إمكانية الإنضمام إلى مشروع ضخم لتصدير الغاز الطبيعي المسال (LNG) من ولاية ألاسكا الأميركية، وهو ما يُعد خطوة إستراتيجية ضمن مساعي اليابان لتأمين إمدادات طاقة مستقرة وتوسيع شراكاتها التجارية مع الولايات المتحدة. ويأتي هذا التوجه في ظل ضغوط متزايدة من الجانب الأميركي لحثّ طوكيو على الإستثمار في مشاريع الطاقة الأميركية، كجزء من تفاهمات أوسع بين البلدين على صعيد أمن الطاقة والتحالف الإقتصادي.

ويهدف مشروع خط الغاز المسال في ألاسكا إلى نقل الغاز الطبيعي من شمال الولاية إلى موانئ التصدير جنوباً، ليتم شحنه إلى شركاء دوليين، في مقدمتهم اليابان وكوريا الجنوبية وقد حظي المشروع بدعم سياسي من واشنطن، التي ترى في مشاركة طوكيو فرصة لتعزيز التكامل الإقتصادي بين البلدين، خاصة في قطاع الطاقة الذي يُعد حيوياً للولايات المتحدة في مواجهة المنافسة الروسية والقطرية.
لكن، خط الغاز المسال في ألاسكا يضع اليابان أمام ضغوط أمريكية متزايدة، إذ تواجه الحكومة اليابانية إنتقادات داخلية بشأن الإعتماد المفرط على الوقود الأحفوري، في وقت تسعى فيه البلاد إلى توسيع الإعتماد على مصادر الطاقة المتجددة وتحقيق أهداف الحياد الكربوني بحلول 2050، وتُجبر هذه الموازنة المعقدة صُنّاع القرار في اليابان على دراسة المشروع بعناية، بين تحقيق أمن الطاقة الوطني من جهة، والوفاء بإلتزامات البيئة والمناخ من جهة أخرى.
مشروع الغاز المسال في ألاسكا يجذب أنظار اليابان وسط تحديات التمويل والبنية التحتية
أكد” ناوهيرو مايكاوا”، أحد كبار مسؤولي شركة جيرا كو اليابانية، والتي تُعد أكبر مشترٍ للغاز الطبيعي المسال في العالم، أن الشركة تنظر إلى ولاية ألاسكا الأميركية كأحد الخيارات الواعدة لتأمين إمدادات الغاز في المستقبل القريب.
وقال مايكاوا خلال مؤتمر صحفي عقد اليوم الاثنين: “نعتبر ألاسكا أحد المصادر الإستراتيجية والواعدة لشراء الغاز، ونتابع تطورات المشروع بإهتمام كبير في إطار خططنا لتنويع مصادر الطاقة.”
ويأتي هذا التصريح في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى توسيع صادراتها من الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا، خصوصًا إلى اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، ضمن ما يعرف بمشروع الغاز المسال في ألاسكا ، والذي تُقدّر تكلفته بأكثر من 44 مليار دولار.
وبحسب وكالة بلومبرغ، فإن المشروع يحظى بدعم سياسي كبير، وكان قد تم تصنيفه كمبادرة طاقة مفضلة لدى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ضمن إستراتيجيته لتعزيز صادرات الطاقة الأميركية وتقليص النفوذ الروسي في سوق الغاز.
خط أنابيب بطول 1300 كيلومتر يربط حقول الغاز بمنشآت التسييل
المشروع، الذي طُرح بعدة أشكال منذ أكثر من عقدين، لا يزال يواجه تحديات إستثمارية كبيرة، أبرزها غياب عقود شراء ملزمة طويلة الأجل، وهي ضرورية لضمان التمويل من المستثمرين والبنوك، كما أن تنفيذه يتطلب إنشاء بنية تحتية ضخمة ومعقدة، تشمل خط أنابيب يمتد لأكثر من 1300 كيلومتر (نحو 800 ميل)، لنقل الغاز من حقول الإنتاج في شمال ألاسكا إلى منشآت التسييل والتصدير على الساحل الجنوبي.
وتكمن أهمية المشروع في كونه يساهم في تنويع مصادر الطاقة لليابان، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الغاز، خصوصًا بعد تقليص الإعتماد على الطاقة النووية في أعقاب كارثة فوكوشيما، كما يُعد المشروع جزءًا من إستراتيجية أوسع لتعزيز أمن الطاقة الإقليمي في آسيا ومواجهة النفوذ الروسي والقطري في سوق الغاز العالمية.

اليابان تُدرج مشروع غاز ألاسكا ضمن حزمة تجارية محتملة مع واشنطن… وكوريا الجنوبية تدرس الإنضمام
في تطور يعكس تنامي أهمية مشروع الغاز المسال في ألاسكا، صرح رئيس الوزراء الياباني” شيجيرو إيشيبا” خلال جلسة برلمانية في وقت سابق من الشهر الجاري بأن “المشروع ينبغي أن يُدمج ضمن حزمة تجارية شاملة بين اليابان والولايات المتحدة، لما له من تأثير إستراتيجي على أمن الطاقة الوطني”.
وأكد “إيشيبا” أن التعاون في مجال الطاقة يمثل إحدى أولويات الحكومة اليابانية في إطار تقوية العلاقات الإقتصادية مع واشنطن، مشيراً إلى إمكانية إنضمام كوريا الجنوبية إلى المشروع في المستقبل، ما يعكس التوجه نحو تحالف إقليمي جديد في قطاع الطاقة.
وفي السياق ذاته، أفادت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية بأن الولايات المتحدة تخطط لعقد إجتماع ثلاثي يجمع وزيري التجارة في كل من اليابان وكوريا الجنوبية في( 2 يونيو/حزيران المقبل)، وذلك لبحث تفاصيل التعاون في المشروع، وبحث سبل تسريع التمويل والتنفيذ المشترك، بالإضافة إلى مناقشة البنية التحتية المرتبطة بخط أنابيب الغاز الممتد في ألاسكا.
جيرا تُواجه تراجعاً حاداً في الأرباح وسط ضغوط سوق الطاقة العالمي.
وفي سياق متصل، أعلنت شركة “جيرا” أكبر منتج للكهرباء في اليابان وأكبر مشترٍ للغاز الطبيعي المسال عالميًا، عن تراجع أرباحها السنوية بنسبة 54% خلال العام المالي المنتهي في 31 مارس/آذار 2025، حيث سجلت أرباحاً صافية بقيمة 183.9 مليار ين ياباني (حوالي 1.3 مليار دولار أميركي).
وأرجعت الشركة هذا التراجع إلى إنخفاض دخل نشاط توليد الكهرباء في الداخل والخارج، بالإضافة إلى إرتفاع تكاليف الوقود، والتقلبات في أسعار الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم.
ورغم هذا الإنخفاض الحاد، تتوقع جيرا تحسنًا في الأداء خلال السنة المالية الحالية، إذ أعلنت عن تقديرات بتحقيق أرباح تصل إلى 230 مليار ين، معتمدة على إعادة هيكلة بعض أصولها، وتوسيع إستثماراتها في مشاريع التصدير طويلة الأجل مثل مشروع الغاز المسال في ألاسكا.
هذا التوجه يأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط الأميركية على اليابان لتأمين مصادر بديلة للطاقة وتقليل الإعتماد على واردات الغاز من روسيا وبلدان الشرق الأوسط، وسط تحديات أمنية وجيوسياسية متزايدة.